السبت، 28 مارس 2015
قسم الحديث الشريف - شرح الحديث الشريف - أحاديث قدسية - الدرس (12-31): أتاني ربي في أحسن صورة
بواسطة:
Unknown
لا بوجد تعليقات 9:54 ص
بسم الله الرحمن الرحيم
قسم الحديث الشريف - شرح الحديث الشريف - أحاديث قدسية - الدرس (08-31): إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا
بواسطة:
Unknown
لا بوجد تعليقات 9:52 ص
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
المواظبة على قيام الليل :
أيها الأخوة الكرام:
(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ؟))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ]
والله أيها الأخوة لسنوات طويلة جداً تزيد عن العشرين ما من أخ وقع في مشكلة كبيرة يبدو أن ليس لها حل، وأغلقت أمامه كل الأبواب، وسدت أمامه كل المنافذ، وجاءني مستفتياً لا أملك إلا هذا الحديث أقول له: صلِّ ركعتين في ثلث الليل الأخير، لأن الله سبحانه وتعالى في نص الحديث الصحيح يقول:
((...نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ]
قد تأتي مشكلات فوق طاقة الإنسان، ويكاد للإنسان من جهات قوية لا يستطيع لها مجابهة، قد تأتي أمراض وبيلة، ويفتقر الإنسان، ويتآمر عليه من حوله، ويطعنه في الظهر أقرب الناس إليه، في حالات صعبة جداً هذا الحديث فيه الفرج.
إله عظيم بيده ملكوت السموات والأرض، بيده كل شيء، وهو القوة المطلقة، والرحمة المطلقة، والعدل المطلق، يقول لك: ألك حاجة ألبيها لك؟ اسألني يا عبدي، ادعني ألك حاجة فأقضيها؟ ألك ذنب فأغفره لك؟ ألك سؤال فأعطيه؟ ماذا ينتظر الإنسان؟
والله الذي لا إله إلا هو سمعت من بعض الأخوة قصصاً لا تصدق حول هذا الحديث، مصيبة ما بعدها مصيبة يزيحها الله عنك.
العبرة من الدين أن يكون للإنسان علاقة مع الله مباشرة :
لذلك إن أردت أن تلخص العبادة كلها يمكن أن تلخص بالدعاء، وحينما تدعو الله عز وجل ويستجيب لك يجب أن تعد هذا يوماً من أيام الله، وقد قال الله عز وجل:
﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
[ سورة إبراهيم: 5 ]
يوم دعوته فاستجاب لك، يوم سألته فأعطاك، يوم استغفرته فغفر لك، يوم اعتززت به فأعزك، العبرة أيها الأخوة من كل هذا الدين أن يكون لك علاقة مع الله مباشرة، أن تناجيه، وتسأله، وتستغفره، وتطلب عفوه، وتطلب منه أن يتوب عليك، لابد من علاقة مباشرة.
أخ كريم حدث في حياته إحباط، الإحباط أدى به إلى حالة نفسية مرضية، فذهب إلى طبيب غير مسلم، الطبيب النفسي قال له بعد أن حدثه عن قصته كلها قال: مشكلتك أنك تشعر أن الله ليس راضياً عنك لابد من أن تكثر مناجاته.
كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، المشكلات كبيرة جداً، الطالب في مدرسته، التاجر في تجارته، والصانع في مصنعه، والموظف في مكتبه، والطبيب في عيادته.
من ذاق طعم القرب من الله اكتفى به :
أحياناً تأتي مشكلات تسحق الإنسان من لك إلا الله؟ بل لعل الله سبحانه وتعالى من حكمته أنه يسوقك إلى بابه، يبتليك بمشكلات بهدف واحد أن يسمع صوتك، وتساق إلى بابه وتذوق طعم القرب منه، الإنسان ألف الحياة الدنيا، وألف الطعام، والشراب، والزوجة، والأولاد، والنزهات، والسهرات، والولائم، لكن لو أنه ذاق طعم القرب من الله لاكتفى به.
ورد في بعض الآثار القدسي: "أنه من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا".
ورمضان كله من أجل تمثل قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
[ سورة البقرة: 176 ]
من أجل أن تقطع أملك من الخلق وتعقد الأمل على الحق، من أجل أن تنصرف عن الخلق وتتجه إلى الله عز وجل، لأن كل شيء بيده، وإليه يرجع الأمر كله، فهذا الحديث أولاً في صحيح مسلم وصحيح الإمام مسلم أصح كتاب بعد القرآن الكريم يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ]
في رواية ثانية يقول الله عز وجل:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ ))
[مسلم عَنْ َأَبِي هُرَيْرَةَ]
هو ينتظرك، تعاني من مشكلة مالية، أو صحية، أو زوجية، أو عقوق الأبناء، أو انحراف الزوجة، ونشوزها، وتطاولها، ومن كساد البضاعة تعاني ما تعاني، هذا الحديث علاج لكل مؤمن.
الدعاء يقوي العقيدة بالله عز وجل :
وأنا أقول لكم أيها الأخوة: لا يقوي عقيدتك بالله إلا الدعاء، كيف؟ أنت حينما تدعوه ويستجيب لك تعلم أنه سمعك، وأنه قدير، ورحيم، ومجيب، فيزداد إيمانك بالله.
قصة من أربعين عاماً؛ لي صديق له أب قاس، ظهر في صدره التهاب، فرأى بعض الأطباء إجراء عملية موضعية، فجاء ابنه على استحياء وخوف منه قال له: يا أبت سمعت من شيخي: "داووا مرضاكم بالصدقات"، طبعاً هو زار عدة أطباء يبدو أنه التهاب متفاقم، ولابد من شق هذا المكان، فبعد أن زار كل من يعرفه من الأطباء كلهم أجمعوا على عملية موضعية، فهذا الابن ببساطة وبحياء وبخوف ووجل من أبيه قال له: سمعت من شيخي قول النبي عليه الصلاة والسلام أن:
(( داووا مرضاكم بالصدقة ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]
والده قاس جداً قال له: أنا سأدفع عنك خمس ليرات - قصة قديمة- فإن شفاك الله بهذه الصدقة آخذها منك، وإن لم تشفَ بها أنا أدفعها ولا علاقة لك بذلك، يبدو أن هذا الأب شديد جداً، فالله سبحانه وتعالى استجاب لهذا الابن البار وشفيت هذه المنطقة، وذهب القيح، والتأم الوضع، فذهب إلى كل الأطباء الذين زارهم وأشاروا عليه بإجراء عملية وأراهم كيف شفي، وأصبح لهذا الأب اعتقاد بابنه دام عشرات السنين أن الله عز وجل لم يخيبه، نحن قبل سنتين دعونا الله للاستسقاء، وأنا يغلب على ظني أن هذا الاستسقاء كان صادقاً، الأموي وحوله مئات الأمتار كان ممتلئاً، وكان في الدعاء تضرع، ووجل، وخوف، ثم جاءت الأمطار، ففي خطبة قلت: يا رب لا تشمت بنا الطرف الآخر، حاشا لله أن تدعوه مخلصاً ثم لا يستجيب لك، أن تعلق الأمل عليه ثم يخيب ظنك، أن تتوكل عليه ثم لا تجد بغيتك، هو أهل التقوى وأهل المغفرة، قدير، سميع، عليم، مجيب، رحيم، بيده كل القوى، أهل الأرض ممتلئون خوفاً من وحيد القرن! لو أنهم عرفوا أنه في قبضة الله، وأنه لا إله إلا الله، ولا معطي، ولا مانع، ولا قابض، ولا باسط إلا الله، ولا خافض، ولا رافع، ولا معز، ولا مذل إلا الله، لعكفوا على عبادة الله وارتقت نفوسهم، ألم يقل الله عز وجل:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 139]
من وقع في المخالفات حجب عن الله :
كل بطولة المؤمن أن يؤهل نفسه لتلقي نصر الله عز وجل، ولتحقق وعود الله، أما أن يقع في المخالفات، والتقصيرات، والتجاوزات، وأكل المال الحرام، وغش المسلمين، فمثل هذا الإنسان لا يستطيع أن يدعو الله أبداً، هناك حجاب كثيف بينه وبين الله.
الصيغة التي جاء بها مسلم:
((أنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ))
هناك رواية ثالثة لهذا الحديث:
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[مسلم عَنْ َأَبِي هُرَيْرَةَ]
الله عز وجل فعّال لما يريد :
أيها الأخوة الكرام: حينما توحد الله وتراه وحده فعالاً في الأرض... كلمة:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة هود : 107]
أنت من؟ أنت لست فعالاً لما تريد، لعلك تريد أشياء لا تعد ولا تحصى، ولست قادراً على أن تفعل منها شيئاً، لكن الله:
﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة هود : 107]
ليس المجال مجال قصص، لكن هناك قصص واقعية والله لا تصدق، لي صديق أصيب بمرض خبيث في رئتيه، فزرته مرة في البيت قال: هناك احتمال أن تجرى عملية في بلاد بعيدة جداً، وأن هذه العملية تكلف ثمن بيته الذي يسكنه، زرع رئة واحتمال نجاحها ثلاثون بالمئة- أنا أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً -العينات التي أخذت من رئتيه فحصت وحللت في بلادنا، وفي بلاد الغرب، فكانت ورماً خبيثاً من الدرجة الخامسة، أعرف أطباء أثق بهم ثقة كبيرة قالوا: لا أمل من شفائه إلا بعملية زرع كبيرة، ونجاحها ثلاثون بالمئة، وفي بلاد بعيدة، وتكلف ثمن بيته، يبدو أنه دعا الله عز وجل بإخلاص شديد، وهو الآن حي يرزق، وأظن القصة من عشرين سنة!
فحينما تدعو الله الذي يبدو مستحيلاً في قدرة الله عز وجل أي يأس وأي شعور بالخوف يتبدل حين تثق بالله.
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
[ سورة الأعراف :156]
من كان الله معه فلا أحد عليه :
هناك مُدرّسة في باريس أصلها مغربية، أصيبت بورم خبيث، فقال لها الطبيب- يبدو أنه بلغ درجة كبيرة من الانتشار-: معك أسبوعان فقط وبعدها تموتين، والطبيب بفرنسا، فحينما أيقنت بالموت ذهبت إلى مكة المكرمة لتؤدي عمرة قبل أن تغادر الدنيا، يبدو في أثناء الطواف وقد قالت في كتيب ألفته أنها طافت ثمانية عشر شوطاً من شدة تعلقها بالله، وخوفها من أن تموت على غير الإيمان، وشربت من ماء زمزم، وعادت إلى بلدها لتموت، لكن الله شفاها، وألفت كتيباً صغيراً، قصة مؤثرة جداً، كيف أن أصحاب موسى قالوا:
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾
[ سورة الشعراء:61]
فرعون بكل قوته، وجبروته، وطغيانه، وحقده، وراء شرذمة قليلة، والبحر أمامهم، ومع ذلك أنجاهم الله عز وجل.
كيف سيدنا يونس الأمل صفر في بطن الحوت، وهو في ظلمات ثلاث قال:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء:87-88]
والله هناك قصص لغرابتها لا تصدق! إنسان في طريقه لمنطقة جميلة في وسط القطر، ترك المركبة وذهب لمطعم، فابنه لعب بأدوات القيادة، فانطلقت المركبة في الوادي، والوادي سحيق جداً فدعا الله أنه إذا نجا أهله وأولاده يتصدق بكل ما يملك! ونزلت المركبة لقعر الوادي وسلمت زوجته وأولاده وأنجز وعده! مرض عضال، مصيبة كبيرة، عدو كبير، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟
الشدائد من أجل أن تدعو الله بإخلاص وتعكف على بابه :
والله أيها الأخوة: في عشرين سنة سابقة لا يوجد أخ يضعني أمام مشكلة ليس لها حلّ إطلاقاً إلا أدله على هذا الدعاء، والحديث القدسي، وقد أستمع من بعض الأخوة لإجابات من غرابتها لا تصدق، كيف أن الله سبحانه وتعالى صرف عنه هذا البلاء، فهذا الحديث مهم جداً جداً.
((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[مسلم عَنْ َأَبِي هُرَيْرَةَ]
وأنا أقول لكم مرة ثانية: أحياناً القصد أن تذوق طعم القرب من الله، قد تساق الشدائد من أجل أن تدعو الله بإخلاص، من أجل أن تلجأ لبابه، من أجل أن تعكف على بابه، الله هو قمة العبودية، والأنبياء الكرام من دون مصائب عاكفون على بابه وهم في أوج قوتهم.
النبي الكريم قبيل وفاته وقد دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها صعد المنبر وقال: "من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليجلده، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ مني، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليقتد منه، ولا يخشى الشحناء فإنها ليست من شأني ولا من طبيعتي".
الحقيقة الإنسان حينما يكون ضعيفاً يكون متواضعاً، لكن بطولته حينما يكون قوياً وغنياً، حينما تشعر وأنت في أعلى درجات القوة بالافتقار إلى الله، وحينما تشعر وأنت في درجات الغنى بالافتقار إلى الله، فأنت موحد، لكن الغنى يطغي والقوة تنسي في بعض الأحيان.
فنحن تحت رحمة الله، ونسأله وحده، ونعتمد ونتوكل عليه وحده، وهذا الحديث هو الدواء لكل داء ومشكلة، ولكل عدو متربص بنا، ولكل مرض عضال، فما عند الله ليس عند العبد.
والحمد لله رب العالمين
قسم الحديث الشريف - شرح الحديث الشريف - أحاديث قدسية - الدرس (09-31): المحبوبية في الإسلام، إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلاناً
بواسطة:
Unknown
لا بوجد تعليقات 9:50 ص
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أية دعوة إلى الله تتجاهل الحب هي دعوة عرجاء :
أيها الأخوة الكرام، الدعوة إلى الله تنجح نجاحاً باهراً حينما تراعي في الإنسان جانبه العقلي والنفسي والمادي، فكما أن الإنسان عقل يدرك هو قلب يحب، والعقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، فأية دعوة إلى الله تتجاهل الحب هي دعوة عرجاء، ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
[ سورة المائدة: 54]
استنبط العلماء أن الذي يحب الله والذي يحبه الله لا يمكن أن يرتد، فحينما يكون الدين عقلياً فكرياً نصياً ضمن حب هناك نكسات كثيرة، أما حينما يكون الدين علماً متيناً وأدلة قوية وحباً والتزاماً -هذه خطوط ثلاثة معرفة وحب وسلوك - فهناك التفوق، وآيات كثيرة تتحدث عن الحب، الحديث القدسي اليوم:
((إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ))
[البخاري عن أبي هريرة]
القرآن الكريم والسنة النبوية توجها إلى العقل والقلب معاً :
ما من نعمة في الدنيا إلا ولها آثارها في الآخرة، كأن يحبك الناس، لأن الله إذا أحبك ألقى محبتك في قلوب الخلق، وأكاد أقول: الأنبياء بكمالهم ملكوا القلوب، والأقوياء بقوتهم ملكوا الرقاب، والبشر جميعاً أتباع نبي أو قوي، فالذين هم أتباع النبي سلاحهم الكمال الإنساني، بكمالهم يملكون القلوب، والذين هم أتباع القوي سلاحهم ما منحوا من قوة، فبقوتهم يملكون الرقاب، وشتان بين من يملك القلوب وبين من يملك الرقاب.
على كلٍّ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة توجهت تارة إلى العقل لتقنعه، وتارة إلى القلب لتغذيه، وفي بعض الآيات الكريمة تتوجه الآية إلى القلب والعقل معاً:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾
[ سورة الانفطار: 6-7]
الحبّ هو علة الخلق :
أيها الأخوة الكرام: جانب الحب هو علة الخلق، لو أن الله أراد أن يخضع له البشر جميعاً لكان ذلك، ولكن هذا الخضوع قسري لا يثمر سعادة.
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ﴾
[ سورة يونس: 99]
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
[ سورة هود: 118]
الله جلّ جلاله ما أرادنا أن نأتيه قسراً، أراد أن نأتيه طوعاً، إذا أتيناه قسراً لا قيمة لهذا الإتيان، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
[ سورة البقرة: 256]
فجانب الحب جانب أساسي، الفرق بين الحب وبين الواجب كالفرق بين أرحنا بها وأرحنا منها، هذا هو الفرق بين الحب والواجب، فأنت حينما تحب الله تفعل المستحيل، أصحاب النبي أحبوا الله، قلة قليلة بحياة خشنة، بمعدات بسيطة، وبيوت من اللبن وصغيرة وخشنة، فتحوا أطراف الدنيا، وحينما فرغ الدين من الحب أصبح ثقافة وتقاليد وعادات وأصبح سلوكاً أجوفاً وعبادات لا تقدم ولا تؤخر، بين مؤمن مفعم قلبه بالحب، وبين مؤمن ممتلئ قلبه بالمعلومات فرق كبير جداً، لابد من أن يمتلئ العقل بالمعلومات، ولا بد من أن يمتلئ القلب بالحب، فهذه المرأة الأنصارية التي رأت زوجها في أرض المعركة شهيداً ورأت أباها في أرض المعركة شهيداً، ثم رأت ابنها ثم أخاها وفي كل مرة تقول: ما فعل رسول الله؟ فلما رأته واطمأن قلبها قالت: يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل.
الحبّ يصنع المعجزات و التقليد لا يصنع شيئاً :
أخواننا الكرام: الحب يصنع المعجزات، ومن دون حب لا يمكن أن تقدم شيئاً لله، مستمع جيد، ومعلق جيد، لكن لا تقدم شيئاً، كل إنسان حينما يستمع إلى كلام منطقي مؤيد بالأدلة والبراهين يعجب بهذا الكلام، لكن العبرة ماذا قدمت لله عز وجل؟ لو سألك الله يوم القيامة ماذا فعلت من أجلي يا عبدي؟ هذا سؤال، الحب يصنع المعجزات، بينما التقليد لا يصنع شيئاً.
((إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ))
[البخاري عن أبي هريرة]
انظر إلى الطفل قال تعالى:
﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾
[ سورة طه: 39]
أي ألقى في قلب أبويه الحب له، تجد الأبوين لا يهنأ لهما عيش إلا إذا كان ابنهما على ما يرام، فهذه الرحمة التي يتراحم بها الناس، والتي يعقبها ميل قلبي هو الحب، وأقول لكم هذه الكلمة: الإنسان الذي لا يجد رغبة في نفسه أن يكون محبوباً عند الله وعند خلقه، ثم لا يجد رغبة أن يحب الله جلّ جلاله، فإنه ليس من بني البشر! البطولات التي ظهرت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أساسها الحب، قيل لأحد أصحاب رسول الله قبل أن يصلب -ألقي القبض عليه وسيق إلى مكة - قبل أن يصلب قال له أبو سفيان: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في بيتك؟ استمعوا إلى الجواب قال: والله لا أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة! فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كأصحاب محمد يحبون محمداً!
أكبر نجاح في الحياة أن يحبك الله :
أخوتنا الكرام، نحن في أمس الحاجة إلى الحب، أن نحب بعضنا، ونقدم لبعضنا كل شيء، ونؤثر بعضنا على كل شيء، هناك رواية ثانية:
((إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ))
[البخاري عن أبي هريرة]
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ قَالَ فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ))
[مسلم عن أبي هريرة]
أنت حينما تمشي في رضوان الله يحبك الله، ويحبك جبريل، ويحبك أهل السماء، وتلقى القبول في الأرض، وحينما يمشي الإنسان في سخط الله يبغضه الله، ويبغضه جبريل، ويبغضه أهل السماء وأهل الأرض، أكبر نجاح في الحياة أن يحبك الله.
مرة سمعت كلمة من أخ كريم يروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ قال
((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ فَقُلْتُ وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.....))
[النسائي عن معاذ بن جبل]
والله ما رأيت في الأرض مرتبة تعلو هذه المرتبة! أن يحبك رسول الله، كيف يحبك؟ إذا كنت مستقيماً، الأقوياء يقربون من يعلن لهم الولاء، لكن الأنبياء بوحي من الله عز وجل لا يقربون إلا من كان راضياً لله عز وجل، لذلك قيل: "يا رسول الله مثل بهم؟ قال: والله لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً" .
من لم يخفق قلبه بحب الله و رسوله ففي إيمانه خلل :
هناك حديث آخر:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ الْمَحَبَّةُ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ إِنِّي أَبْغَضْتُ فُلَانًا فَيُنَادِي فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
إن كنت على علاقة طيبة مع الله فمن لوازم هذه العلاقة أن الناس يحبونك، وقد ورد أنه: من أخلص لله تعالى جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة والرحمة.
فلذلك إن لم يخفق قلبك بحب الله ورسوله، وحب المسجد، والقرآن، وأخوتك المؤمنين، ففي الإيمان خلل.
قديماً الذي يقف أمام مقام النبي عليه الصلاة والسلام ولا يبكي يقال له: مالك؟ لكنك تجد أحياناً من يبكي أمام مقام النبي الآن يسأل: أبك حاجة؟ الأصل أن تبكي أمام قبر النبي وأن تحبه.
أخوتنا الكرام: أرأيتم إلى وردة مصنوعة من الشمع، ثم وردة طبيعية فواحة الرائحة؟ بين وردة طبيعية فواحة الرائحة وبين وردة اصطناعية مملة كما بين مسلم يحب الله ومسلم لا يحب الله أو قلبه خاو من المحبة، الإسلام من دون حب جسد من دون روح -جثة - فلذلك تجد قلوب المسلمين قاسية من بعدهم عن الله، وانغماسهم في المخالفات، فهو مسلم بحسب هويته، وقيد نفوسه، وبيئته، ومن أبويه المسلمين، ولكن المسلم الذي يغلي قلبه كالمرجل هذا نفتقده، فالحياة أساسها الحب.
النبي عليه الصلاة والسلام كان أحب الخلق إلى الله، وأقسم الله بعمره الثمين، وحينما تشعر أن الله يحبك فأنت في الأوج، ملك في الدنيا، فإذا أحبك الله أحبك الخلق، وإذا أبغض الله عبداً أبغضه الخلق.
والحمد لله رب العالمين
قسم الحديث الشريف - شرح الحديث الشريف - أحاديث قدسية - الدرس (11-31): صلة الرحم
بواسطة:
Unknown
لا بوجد تعليقات 9:48 ص
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
التضامن الاجتماعي :
أيها الأخوة الكرام، صلة الرحم من أهم الطاعات، بل لعل النظام الإسلامي من أبرز معالمه التضامن الاجتماعي، ولعل هذا التضامن الاجتماعي أساسه النسب والمكان، فالمكان جاءت أحاديث حقوق الجار، والجار له حق لا يصدق.
((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))
[متفق عليه عن ابن عمر]
والبند الثاني في التضامن الاجتماعي صلة الرحم، فأنت لك قرابة ولك جوار، ولابد من أن يكون كل إنسان مشمولاً بجوار أو بقرابة، وكأن نظام القرابة ونظام الجوار غطى كل المجتمع، والحقيقة أن الله سبحانه وتعالى وزع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء، ولحكم بالغة بالغة شاء الله أن يكون هناك فقر وغنى، وضعف وقوة، ومرض وصحة، فتوزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء، إذاً قد تجد جاراً فقيراً وجاره غني، وقد تجد جاراً ضعيفاً وجاره قوي، وقد تجد جاراً مريضاً وجاره صحيح، الحظوظ موزعة، والناس يسكنون إلى جنب بعضهم بعضاً، للجار حق وللأقرباء كذلك، قد تجد رجلاً في أسرة موسراً، وقد تجد أخاه فقيراً، فلأن الحظوظ متفاوتة فجعل الله عز وجل الضمان الاجتماعي، الذي يكشف حقيقة الإنسان، وحقيقة إيمانه، وحقيقة رحمته، وحقيقة عمله الصالح، وحقيقة امتحانه، جعل الضمان الاجتماعي على أساس الأرض، وعلى أساس النسب.
صلة الرحم :
الحديث اليوم عن صلة الرحم، لكن أيها الأخوة هذه الطاعات العظيمة، هذه الطاعات الكبرى أحياناً تفرغ من مضمونها، كيف؟ مسخت صلة الرحم عند المسلمين إلى زيارة جوفاء لا تقدم ولا تؤخر، في العيد أو في العيدين، وحينما يكون الذي يطوف على بيوت أقربائه مضغوطاً أو مشغولاً ويضع قائمة، يتمنى عند كل بيت يطرقه ألا يجده، وأن يضع بطاقة رفعاً للحرج، وحفظاً لماء الوجه، هذه العبادة وهذه الطاعة مسخت إلى زيارة جوفاء لا تقدم ولا تؤخر، الحقيقة أن صلة الرحم تبدأ بالزيارة، ويتبع هذه الزيارة تفقد الأحوال، لك أخوة، لك أخوات، لك أخت متزوجة، لك ابن عم فقير، لك ابن خالة مريض، لك ابن أخت يعاني من أولاده، الزيارة هي البدء، ثم التفقد، تفقد الأوضاع الاجتماعية، تفقد الأوضاع المعيشية، تفقد الأوضاع الدينية، زرت أخاك رأيت ابنته متفلتة ينبغي أن تنصحها، ولعلك تبدأ بإكرامها، وتبدأ بتقديم هدية لها، ولعلك تدعوها إلى بيتك وتنصحها، فإذا تحجبت فقد وصلت رحمك، صلة الرحم لا تعني أن تزور زيارة جوفاء تتحدث عن الأخبار التي سمعتها في الجزيرة، وعن الأسعار، وما إلى ذلك، صلة الرحم تعني أن تزور أهلك.
وقد سئلت اليوم من هم الأقرباء الذين ينبغي أن نصلهم؟ قلت: أقرباء الأم والأب معاً، هذه كلمة شمولية، تزور أولاً، تتفقد الأوضاع المعيشية، تتفقد الأوضاع الدينية، تتفقد الأوضاع الاجتماعية، هذه الفتاة لم تتزوج، ينبغي أن تسعى لتزوجيها، فما من شفاعة أعظم عند الله من أن تشفع بين اثنين في نكاح.
ورد في الأثر أنه: "من مشى في تزويج رجل بامرأة كان له في كل كلمة قالها، وبكل خطوة خطاها، عبادة سنة قام ليلها وصام نهارها".
تفقد الأوضاع الاجتماعية، والأوضاع المعيشية، والأوضاع الدينية، فإذا أخذت بيد هؤلاء إلى الله ورسوله، إلى طاعة الله ورسوله، تكون قد وصلت رحمك، وأذكر أن أكثر من ثلاثين حديثاً صحيحاً تؤكد صلة الرحم.
صلة الرحم من أعظم الأعمال :
مادام الدرس اليوم في الأحاديث القدسية فهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري:
((خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَلْقَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ ...))
[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
الرحم يعني الأقرباء، علاقات القرابة جسدت.
((فَقَالَ: مَهْ ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ ، قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ " ، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ سورة محمد "آية 22"))
[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
أي صلة الرحم من أعظم الأعمال، ذلك أن رحمك من لهم غيرك؟ أما بقية الناس فأنت لهم وغيرك لهم.
الإنسان حينما يعلو بماله أو بعلمه وينسى أقرباءه و أهله فهذا جاحد كبير :
لما فتح النبي مكة المكرمة الفتح العظيم، وعفا عن أهلها لأنهم رحمه، وعفا عن أبي سفيان الذي قاد حروباً ثلاثاً ضده، قال أبو سفيان: ما أعقلك! وما أرحمك! وما أحكمك! وما أوصلك!.
الإنسان أحياناً يعلو فينسى أقرباءه، قال لي أحدهم: أعلنت إفلاسي، تاجر أعلن إفلاسه، له أخ من أم وأب، أخ شقيق، تزيد أمواله عن مئتي مليون لم يقدم له ولا ليرة، فالإنسان حينما يعلو بماله، أو يعلو بعلمه، أو يعلو بمنصبه، وينسى أقرباءه، وينسى أهله فهذا جحود كبير، الحقيقة صياغة الحديث مؤثرة فيها تجسيد:
((خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَلْقَ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ ...))
[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
الرحم يعني معنى اعتباري مجازي كيف قال الله عز وجل:
﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ﴾
[ سورة الكهف : 77 ]
هذه استعارة، أي الرحم أعطيت هنا صفة الإنسان، قامت وتمسكت بحقو الرحمن - و الحقو موضع عقد الإزار وشده -، باللغة الدارجة إذا إنسان مستجير يقول له: يدي بزنارك، بالضبط، طبعاً على معنى يليق بكمال الله، قامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن، فقال له: مه.
ألم نقل الرحم أخذت دور الإنسان؟
((فَقَالَ: مَهْ ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ ، قَالَ: أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ ، قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ " ، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ سورة محمد آية 22))
[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
صلة الرحم زيارة وبذل وإرشاد ومعونة وتوجيه وإكرام :
لذلك جزء من الدين أن تصل رحمك، هل تصدق أن أختاً قد لا يزورها أخوها في السنوات مرة، تذكر ما أقول لك، أنت حينما تزور أختك تنعشها، وتفرحها، وتسعدها، وتشعر بعزة أمام زوجها، ليست مقطوعة لها أهل، أن تزور أختك، أو أخاك، أو بنت أخيك، أو بنت أختك في مناسبات متقاربة، وأن تسألها عن أحوالها، وعن صحتها، وعن أولادها، وعن أعمال أولادها، وعن زوجها، وأن تقدم لها مساعدة.
أنا أذكر الآن قصة أخ كريم زار أخته فرأى شجاراً بينها وبين زوجها حول مبلغ تفرضه عليه ككسوة ومصروف لبناتها،- القصة قديمة - طلبت منه من راتبه ثلاثمئة ليرة، والزوج يبدو أن راتبه محدود فرفض هذا الطلب، ونشب صراع بينهما، فدخل على أخته وهما في هذا الحالة، فأشفق عليها وأشفق على زوجها، زوجها دخله محدود، وهي بحاجة ماسة إلى حد أدنى من تغطية حاجات بناتها، فقال لها: يا أختي هذا المبلغ خذيه مني كل شهر، أقسم لي بالله أنه كان يرسل لها هذا المبلغ في اليوم الأول من كل شهر لمدة ستة أشهر، ثم التقى بها مرة قالت له: لو تجعل لنا درساً دينياً، رحب بهذه الفكرة، قال لي أنا لست مدرساً دينياً، أنا مهندس، قال لي: بدأت أحضر الدرس، أحضر آية، حديثاً، قصة، قضية فقهية، يحضر الدرس جيداً، طبعاً الدرس لأخواته كلهن، وبنات أخواته كلهن، قال لي: استمر هذا الدرس أكثر من سنتين، محصلة هذا الدرس أن كل بنات أخواته تحجبن، وزوج معظمهن.
هذه صلة الرحم؛ زيارة، وبذل، وعطاء، وإرشاد، ومعونة، وتوجيه، وإكرام، إذا وصلت الرحم وصلك الله، وإذا قطعت الرحم قطعك الله، وأبو سفيان تأثر أشد التأثر فقال: يا محمد ما أكرمك! وما أرحمك! وما أوصلك! وما أعقلك! أما أن تشاهد في المحاكم دعاوى بين الأخوة والأخوات، وبين الآباء والأمهات، وبين القرابات فهذا وصمة عار في حق المسلمين.
أنا والفضل لله عز وجل من أول هذه الدعوة ما وافقت أن تقام دعوى بين قريبين، أبداً، القرابة مقدسة جداً، لا ينبغي أن يدخل أخوان إلى المحكمة.
درء المفاسد مقدم على جلب المنافع :
وأخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول:
(( قال الله: أنا اللهُ وأنا الرَّحمَنُ خَلَقتُ الرَّحِمِ وشَقَقتُ لها من اسمِي فمنْ وصَلَها وصلتهُ ومن قَطَعَها بتتَّهُ))
[الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ]
ينبغي أن تعد صلة الرحم جزءاً من دينك، قد تقول: أنا مشغول، هذا ليس عذراً ينبغي أن تقتطع من وقتك وقتاً لزيارة أقربائك، إلا في حالات أنا أذكرها لكم: لو أن لك أقارب متفلتين، يسخرون من الدين، لا يصلون، لا يلتزمون، دخلت إليهم أو دخلت عليهم فبرزت الفتيات بأبهى زينة، يتضاحكن أمامك، ويكشفن عن مفاتنهن، ويسخرن من تدينك، هذه ليست صلة رحم، دع خيراً عليه الشر يربو، يمكن أن تكون الصلة مع هذه الأسرة عن طريق الهاتف، درء المفاسد مقدم على جلب المنافع.
إن كان هؤلاء الذين تزورهم لا يحترمون دينك، ولا قيمك، ولا منهجك في الحياة، ينبغي أن تقاطعهم إشعاراً لهم أنهم متفلتون، لكن لك أن تزورهم من موسم إلى موسم زيارة عابرة، ولو أن تطرق بابهم، وأن تسألهم عن أحوالهم، أو عن طريق الهاتف، فالأسر المتفلتة التي تسخر من المؤمن هذه ينبغي أن تؤدب.
رمضان شهر الإنفاق و صلة الرحم و الأعمال الصالحة :
أيها الأخوة، هذا الشهر شهر الأعمال الصالحة، وكأن هذا الشهر شهر الإنفاق وشهر صلة الرحم، لكن الذي يحصل - نعوذ بالله مما يحصل - رمضان موسم لقاءات، لقاءات مختلطة، وحديث لا يرضي الله، ومتابعة مسلسلات، وهذا أفضل ألف مرة من الخيمات الرمضانية التي تبدأ بصلاة التراويح وتنتهي بالرقص، وكل هذا من أجل شهر رمضان، هذا النوع من زيارات الأقارب لا علاقة له بهذا الدرس إطلاقاً، صلة الرحم أن تنهض لتفقد أهلك، والقوي يجب أن يأخذ بيد الضعيف، والغني يجب أن يأخذ بيد الفقير، والعالم يجب لأن يأخذ بيد الجاهل، وعندي والله أمثلة أنا أعتز بها؛ أحد أخواننا من الميسورين أسس مؤسسة تجارية لآل أسرته، لا يدع شاباً من دون عمل إلا ووظفه في هذه المؤسسة، ولا يدع شاباً مقصراً في دينه إلا سخر له من يرده إلى الدين، ولا يدع شاباً من دون زواج إلا وزوجه، مؤسسة آل هذه الأسرة يقدمون من أموالهم دعماً لهذه المؤسسة، هذه المؤسسة تجارية، أولاً: توفر فرص عمل لكل شباب الأسرة، ثم هناك جلسات دينية، وهناك جلسات توجيهية، والله أنا حينما سمعت تفاصيل هذا المشروع أعجبت، قلت: ليت كل أسرة تقيم مثل هذا المشروع، كل أسرة فيها أغنياء وفقراء، لو هؤلاء الأسر اجتمعوا على توفير حاجات الفقراء، وتعليم الشباب، وتأهيل الذين ليسوا مؤهلين للعمل، والبحث عن فرص عمل، وتزويج هؤلاء الشباب، هذا من أعظم الأعمال.
أيها الأخوة الكرام، في الحديث الصحيح أن الذي يؤدي زكاة ماله لأقربائه المحاويج تكتب عند الله بأجرين، بأجر الزكاة، وأجر الصلة، صدقة وصلة.
أخ كريم رجاني أن أروي هذه القصة، وهو عندي والله من الصادقين، له ابن عم لا يعرف شكله، هكذا، نمط الأسرة فيها تباعد، حينما حضر مجالس العلم قال: ينبغي أن أزوره في العيد، فزاره ولا يعرفه، قال له: أنا ابن عمك، رجل كريم رحّب به ترحيباًَ عالياً، وبعد حين اتصل به و قال له: لك علينا حق أن نزورك، فكان هناك موعد، فوجئوا أن بيته تحت الأرض، وفيه رطوبة عالية جداً، ومعظم أولاده معهم التهاب مفاصل، ومعهم أمراض، فهذا القريب قال له: لا يمكن لهذا أن يستمر، ابحث عن بيت بمليوني ليرة، قال لي: والله بعد ستة أشهر أسكن الآن ببيت، طابق ثالث، جنوبي، أقسم بالله حينما زار ابن عمه لا يقصد أبداً أن يعطيه شيئاً، لكن هذا ابن العم ميسوراً وهو يساعد الغرباء وابن عمه أولى، فهيأ له هذا البيت، هكذا ينبغي أن نكون.
حينما نتعاون يحبنا الله جميعاً، ولعله ينصرنا، أما حينما يظلم بعضنا بعضاً فقد لا نستحق نصر الله عز وجل، لما قال ابن رواحه لليهود: "جئتكم من عند أحب الخلق إلي ولأنتم أبغض عندي من القردة والخنازير ومع ذلك لن أحيف عليكم، فقالت اليهود: بهذا قامت السموات والأرض وبهذا غلبتمونا"، وهذا معنى قول بعض العلماء: إن الله ينصر الأمة العادلة الكافرة على الأمة المسلمة الظالمة.
فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الحديث القدسي باعثاً لنا على تجسيد الطاعة العظيمة، وهذا موسمها.
والحمد لله رب العالمين
الأحد، 15 مارس 2015
شرح الحديث الشريف - أحاديث قدسية - الدرس (04-31): يؤذيني ابن آدم يسب الدهر
بواسطة:
Unknown
لا بوجد تعليقات 7:27 ص
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الابتعاد عن الكلمات التي لا أصل لها في الدين :
أيها الأخوة الكرام، معظم الناس إلا قليلاً منهم يعتقدون أن الله خلق السماوات والأرض، ولكن قلة من هؤلاء يعلمون أن الله بيده كل شيء، وأنه في السماء إله وفي الأرض إله، وأنه:
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ﴾
[ سورة الأنعام: 59]
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
هذا هو الإيمان، فلذلك عند معظم الناس كلمات لا معنى لها، يقول لك أحدهم: لقد سخر القدر مني، أي قدر هذا؟ قلب له الدهر ظهر المجن، من هو الدهر؟ إله آخر؟ هناك كلمات يرددها العوام ليس لها أصل في الدين، حديث قدسي يشير إلى هذه الحقيقة يقول عليه الصلاة والسلام:
(( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
ليس في الكون إلا الله.
التوحيد هو الطريق إلى الله عز وجل :
حينما تربط كل الجزئيات بخالق السماوات والأرض تكون قد قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله، هذا هو التوحيد، إذ قال الله عز وجل:
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا ﴾
[ سورة الأنعام: 59]
حينما أمر الله أم موسى:
﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾
[ سورة طه: 39]
صندوق خشبي فيه طفل ولد لتوه، حركة هذا الصندوق بيد من؟
﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ ﴾
[ سورة طه: 39]
﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾
[ سورة القصص: 7]
عندما واجه سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة و السلام البحر و من ورائه فرعون، و ما أدراكم ما فرعون! بقوته، و حقده، و جبروته، وقواته، و أسلحته، يتبع شرذمة قليلة:
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
[ سورة الشعراء: 61-62]
كلمة التوحيد هي الكلمة الأولى في الإسلام :
أنت حينما تؤمن أن الأمر كله بيد الله تكون قد قطعت أشواطاً جيدة في معرفة الله، فهذا الذي يسب الدهر من هو الدهر؟ هذا الذي يندب حظه، ما الحظ؟ العوام يقولون: هذه البنت محظوظة: و هذه البنت حظها قليل، الحظ إله ثان؟ ليس إلا الله هو المعطي، هو المانع، هو الخافض، هو الرافع، هو المعز، هو المذل، هو الناصر، هو الذي لا ينصر، حينما تربط كل أمورك بالله عز وجل تكون موحداً، و ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، بل إن كلمة التوحيد هي الكلمة الأولى في الإسلام، و لا تقبل من المسلمين تقليداً، قال تعالى:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد: 19 ]
لو تابعت قراءة الآية:
﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
[ سورة محمد: 19 ]
أي أنت حينما تعلم أن الأمر بيد الله، و حين يأتيك أمر على خلاف ما تريد، ينبغي أن تراجع نفسك، فالله سبحانه و تعالى غني عن تعذيب الناس.
من يوحد ينضبط لسانه و يزول حقده :
أيها الأخوة، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:
(( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ ... ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
هناك من يقول: لعن الله هذه الساعة، أية ساعة هذه، تلعن من؟ حينما توحد ينضبط لسانك، حينما توحد يزول حقدك، لأن علاقتك مع الرحيم، مع العليم، مع العدل، مع الحكيم، مع اللطيف:
(( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
فكلمة حظ، و كلمة دهر، و كلمة قدر، و كلمة شؤم، الشؤم محرم في الدين:
((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ...))
[ متفق عليه عن ابن عمر]
الإنسان يدخل إلى محله إنسان كادت تعقد بيعة دسمة فلا تعقد يتشاءم ممن دخل عليه، هذا كلام لا معنى له إطلاقاً، هناك من يتشاءم من رقم معين، من يوم معين، من شخص معين، هذه كلها خرافات لا أصل لها في الدين:
((لا عدوى و لا طيرة))
[ صحيح عن ابن عمر]
لكن الإنسان حينما يأتيه شيء على خلاف ما يريد ينبغي أن يراجع حساباته.
الله عز وجل ما أمر الإنسان أن يعبده إلا بعد أن طمأنه أن الأمر بيده :
الحديث الذي ذكرته أول يوم:
((عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:....... يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
[ مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ ]
الآن المسلمون يلومون عشرات الأطراف و لا يفكرون أن يلوموا أنفسهم أبداً، كل مشكلة في حياتنا نعزوها إلى الاستعمار، شيء مريح نحن لا ذنب لنا أبداً، إن رأى حفرة في الطريق يعزوها إلى الاستعمار، أو إلى الموساد، أو إلى الصهيونية، يجب أن نعزو كل مشكلاتنا إلى أنفسنا لأن الله موجود، و لن يسلم أحداً لأحد، حينما يسلمك إلى غيره لماذا تعبده؟ قال لك:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
متى أمرك أن تعبده؟ حينما أكّد لك أن الأمر كله- كله توكيد- بيده:
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
الخلق كلهم عند الله سواسية ليس بينه و بينهم قرابة إلا طاعتهم له :
لذلك أيها الأخوة، جسمك، أجهزة جسمك، قلبك، أوعيتك، رئتاك، دماغك، حواسك، من حولك؛ زوجتك، أولادك، من فوقك، من هو أقوى منك، من هو تحتك، كلهم بيد الله، فالمؤمن علاقته مع جهة واحدة، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، أي ليس غريباً أن يقول أحد علماء القلوب: أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، أحياناً تجد الزوجة في أطيب علاقة مع زوجها، و أحياناً تجدها في أسوأ علاقة، راجع نفسك، أي دائماً في التربية قاعدة أنك إذا علمت طلاباً و وجدت منهم ما يزعجك يجب أن تعلم أن هناك خللاً في تدريسك، الدرس الناجح، و الشخصية القوية، و النفسية التي هي كالأب، هذه تجذب الطلاب، فإن لم تحسن ضبط الصف فهناك مشكلة في تدريسك، في شخصيتك، و في علمك، و في قدرتك، عود نفسك ألا تعزو الأخطاء إلى غيرك، عود نفسك ألا تحابي نفسك، ألا تثني عليها، عود نفسك أن تتهمها دائماً، عود نفسك أن تعلم أن الله عادل، ما كان له أن يظلم، ما كان له أن يعطي أناساً و يحرم أناساً، كلهم عباده، أروع ما قاله سيدنا عمر حينما رأى سيدنا سعد، سعد بن أبي وقاص خال رسول الله و ما من صحابة رسول الله صحابي فداه النبي كسيدنا سعد قال:
((مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفَدِّي أَحَدًا بِأَبَوَيْهِ إِلَّا لِسَعْدٍ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ))
[ متفق عليه عن علي ]
و كان إذا دخل عليه سعد داعبه و قال:
(( هذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ))
[الترمذي عليه عن جابر]
حينما توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم التقى سيدنا عمر بسيدنا سعد قال له: "يا سعد لا يغرنك أنك خال رسول الله فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه و بينهم قرابة إلا طاعتهم له فقط"، و أنت حينما تتعامل مع الله مباشرة، حينما يطلع على قلبك ليس فيه غل لأحد، حينما يطلع على عملك فإذا هو وفق شريعة الله عز وجل، حينما يجدك حيث أمرك، و يفتقدك حيث نهاك، أنت ولي من أولياء الله، و لو لم يكن لك مظهر الولي:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
[ سورة يونس: 62-63 ]
التوحيد أخطر ما في الإيمان :
أخطر ما في الإيمان التوحيد، أن ترى أن يد الله تعمل وحدها، الناس يخافون من أقطاب أرضية، تهديد من وحيد القرن يقلق العالم الإسلامي، تهديد واحد يقصف أو لا يقصف لا نعلم، هم حينما يخافون من أقطاب الدنيا يقعون في عذاب نفسي، قال تعالى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
[سورة الشعراء: 213]
﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ *فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾
[سورة آل عمران: 173-174]
ثم يقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾
[سورة آل عمران: 175]
أي يخوفكم من أوليائه:
﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾
[سورة آل عمران: 175]
الأيام و الدهر و الحظ و القدر كلمات لا معنى لها في الدين إطلاقاً :
أخوتنا الكرام، هل من مصيبة في الأرض تفوق أن تجد نفسك فجأة في بطن حوت؟ في ظلمة بطن حوت، و في ظلمة البحر، و في ظلمة الليل البهيم، و مع ذلك نادى في الظلمات و كان هناك تغطية الحمد لله:
﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾
[سورة الأنبياء : 87-88]
القصة انتهت جاء القانون:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[سورة الأنبياء : 88]
هذه واحدة، حديث آخر يقترب من هذا المعنى:
((يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ....))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
يقول لك: الأيام عاطلة، ما معنى عاطلة؟ ما هي الأيام؟ أي أنا أسوأ ما سمعت في حياتي بنشرة جوية أن الطقس عاطل أي يوجد مطر، لأن الأنيق الذي هو غارق في ملذاته تزعجه المطر، فالأيام عاطلة أية أيام هذه؟ يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:
((يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَقُولُ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ...))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
خاب ظني بالدهر، خاب ظني بالأيام، الأيام، و الدهر، و الحظ، و القدر، هذه كلمات لا معنى لها في الدين إطلاقاً، ليس إلا الله:
﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى*وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾
[ سورة الليل: 5-10 ]
العاقل من يعزو الأشياء إلى الله عز وجل لا إلى أسباب أرضية :
الآن قد تستمع أنت إلى نشرة جوية أن هناك منخفضاً متمركزاً فوق قبرص متجهاً إلى القطر، سرعته كذا، أحياناً الإنسان من خلال سماعه لهذه النشرات الجوية ينسى أن الله هو الذي ساق هذا السحاب، ففي الأحاديث القدسية حديث دقيق جداً:
((صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟..))
[ متفق عليه عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ]
على إثر سماء أي على إثر مطر، و الله أنا حينما تنزل الأمطار و الله أسجد لله شكراً، لا ينبغي أن ترى هذه الأمطار منخفضات تتحرك و الأرصاد ترصدها، ينبغي أن تراها رحمة الله عز وجل، أي قبل أيام في تدمر نزل ثمانية و ثلاثون مليمتراً، هي معدل تدمر في العام كله بليلة واحدة، إذا أعطى أدهش، في ليلة واحدة نزلت أمطار العام كله:
(( فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ))
[ متفق عليه عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ]
بنوء كذا و كذا، أي منخفضات، و سرعات، و سرعة الرياح، أنا لا أنكر أن تستمع إلى النشرة الجوية، لكن أنا أنكر أن تعزو الأمطار إلى أسباب أرضية، ينبغي أن تعزوها إلى الله عز وجل.
مثلاً أنا أقدم لكم بعض الشواهد: أحياناً في العام الماضي - و الفضل لله عز وجل- إنتاجنا من القمح خمسة ملايين طن - بفضل الله عز وجل- عن طريق الأمطار الغزيرة، في سنوات ستمئة ألف طن أقل من مليون طن، إذا أعطى أدهش، فأحياناً خمسة ملايين طن و أحياناً ستمائة ألف طن، قال:
((... فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ))
[ متفق عليه عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ]
لذلك أنت لو استمعت إلى نشرات الأخبار، أو النشرات الجوية، يجب أن ترى أن يد الله تعمل وحدها، و أنه ما من عثرة ولا اختلاج عرق و لا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم و ما يعفو الله أكثر.
من رأى أن الأمور على خلاف ما يريد فليتهم نفسه :
التوحيد هو المطلوب، و حينما تتهم نفسك دائماً، و حينما لا تحابي نفسك أبداً، و حينما تتهم نفسك عند كل مشكلة لا ترضيك، أنت قطعت أربعة أخماس الطريق إلى الله عز وجل، لأن الله عز وجل غني عن تعذيبنا:
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾
[سورة الشورى: 30]
يقول الله عز وجل:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد: 19 ]
التتمة:
﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
[ سورة محمد: 19 ]
إن رأيت أن الأمور كانت على خلاف ما تريد لا تتهم القدر، لا تتهم الدهر، لا تتهم الأيام السوداء، لا تتهم الحظ، هذه لا معنى لها، اتهم نفسك.
والحمد لله رب العالمين
شرح الحديث الشريف - أحاديث قدسية - الدرس (01-31): يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي...
بواسطة:
Unknown
لا بوجد تعليقات 7:19 ص
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
وقفة قصيرة حول معنى الحديث القدسي :
أيها الأخوة الكرام، قبل أن نبدأ في شرح بعض الأحاديث القدسية، لا بد من وقفة قصيرة حول معنى الحديث القدسي.
أيها الأخوة، القدس، القدس بضم الحرفين أو تسكين الثاني، معناه الطهر، والأرض المقدسة الأرض المطهرة، وتقدست أسماء الله تنزهت عن كل نقص وعيب، وقد أضيف الحديث إلى الله عز وجل فقيل الحديث القدسي، بمعنى أن هذا الحديث مضاف إلى الله وحده، ذلك أن الله قد يلقي في روع النبي المعنى، وقد يريه في منامه هذا المعنى، وقد يأتيه عن طريق جبريل، وقد كلف النبي عليه الصلاة والسلام أن يصوغه هو، فالفرق بين القرآن الكريم وبين الحديث القدسي أن القرآن الكريم لا يكون إلا عن طريق جبريل، والنص من الله عز وجل، بينما الحديث القدسي يكون عن طريق المنام، ورؤيا الأنبياء حق، ويكون عن طريق الإلقاء في الروع:
(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها...))
[حديث صحيح بشواهده، ابن ماجه وأبو نعيم في الحلية والحاكم وابن حبان عن جابر]
إما عن طريق المنام، وإما عن طريق الإلقاء في الروع، وإما عن طريق جبريل، وإما عن أي طريق آخر، المعنى من الله عز وجل والصياغة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة :
من الأحاديث الشهيرة المتواترة في الصحاح:
(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي...))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
فهذا الكم الكبير من المسلمين الذين يخوضون في القضاء والقدر يريدون أن يعرفوا كنه الذات الإلهية وهذا مستحيل، لأن:
(( تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))
[ورد في الأثر]
أنّى لهذا الإنسان الضعيف المحدود أن يحيط بالله عز وجل! ألا يكفينا أنه يوجد آيات كثيرة تقترب من المئة، وأحاديث صحيحة كثيرة، تؤكد أن الله لا يظلم، أليس هذا هو الطريق الأقصر؟ ألم يعلم المؤمن أنه لا يمكن أن يصل على عدل الله بعقله إلا بحالة واحدة أن يكون له علم كعلم الله، وهذا مستحيل يقول الله عز وجل:
(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي...))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
تحريم ذاتي ألم يقل الله عز وجل:
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود: 56 ]
ألم يقل الله عز وجل:
﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾
[ سورة غافر: 17 ]
﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
[ سورة النساء: 77 ]
لا فتيلاً ولا نقيراً ولا قطميراً؛ الفتيل خيط بين فلقتي نواة التمر .
﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 47 ]
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة: 7-8 ]
كل هذه الآيات، وتلك الأحاديث، وهذا الحديث القدسي ألا يقنعك أن الله لا يظلم؟ لا بد من أن تخوض في القضاء والقدر، فتارة تنفي علم الله عز وجل، وتارة ترى رؤية ليست صحيحة فتتكلم على الله ما لا تعلم.
ترتيب المعاصي في القرآن الكريم ترتيباً تصاعدياً :
أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل حينما رتب المعاصي في القرآن الكريم رتبها ترتيباً تصاعدياً، فبدأ بالإثم والعدوان، والفحشاء والمنكر، والشرك والكفر، وجعل على رأس هذه المعاصي:
﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة:169 ]
فالله في هذا الحديث القدسي الصحيح يقول:
(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّما، فلا تَظَالموا))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
الظلم ظلمات يوم القيامة:
(( اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ ))
[ متفق عليه عن عبد الله بن عباس ]
قبل أن تظلم، قبل أن تأخذ ما ليس لك، قبل أن تلصق تهمة بإنسان بريء، قبل أن تستغل قوتك فتسحق من تحتك، قبل أن تستغل مكانتك فتغطي على من قدم لك خدمةً:
(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّما، فلا تَظَالموا))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
إياكم أن يظلم بعضكم بعضاً، قد يظلم الزوج زوجته، وقد تظلم الزوجة زوجها، والله بالمرصاد، وقد يظلم الأخ أخاه، وقد يظلم الشريك شريكه، وقد يظلم الجار جاره، بل إن بعض العلماء له مقولة أرددها كثيراً: إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أرسل عبد الله بن رواحة ليقيّم تمر خيبر، أغروه بحلي نسائهم كرشوة، فقال: والله جئتكم من عند أحبّ الخلق إلي، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وبهذا غلبتمونا، ولن نغلب أعداءنا إلا إذا أقمنا العدل في حياتنا، بهذا قامت السموات والأرض، وبهذا غلبتمونا، إنسان قدم نفسه في سبيل الله هل من جود فوق هذا الجود؟ هل من كرم فوق هذا الكرم؟ هل من تضحية فوق هذه التضحية؟
(( يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))
[مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
أن تأكل حق الناس هذا ظلم، كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يصلي على صحابي جليل عليه دين، يقول أعليه دين؟ فإن قالوا: نعم، يقول: صلوا على صاحبكم، فإن قال أحد أصحابه: عليّ دينه يا رسول الله، سأل هذا الضامن: أأديت الدين؟ قال: لا، سأله مرة ثانية: أأديت الدين؟ قال: لا، سأله مرة ثالثة، أأديت الدين؟ قال: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده .
حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله مبنية على المسامحة :
أيها الأخوة الكرام، حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة، هناك وهم خطير أن الإنسان إذا حج بيت الله الحرام يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، يرجع من ذنوبه التي بينه وبين الله حصراً، أما الذنوب التي بينه وبين العباد فلا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة، والذي يصوم رمضان، ويقوم رمضان، ويتوهم أنه إذا صام رمضان وقام رمضان غفر الله له ما تقدم من ذنبه،أجمع العلماء أنه يغفر ما تقدم من ذنبه الذي بينه وبين الله فقط، أما ما بينه وبين العباد فهذه الذنوب لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة.
(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّما، فلا تَظَالموا يا عبادي، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه...))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ﴾
[سورة آل عمران: 73]
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾
[سورة هود: 28]
الهدى هدى الله، ومن لم يكن على منهج الله فهو على الباطل حتماً، لأنه لا طريق ثالثة إلا الحق أو الباطل.
من لم يكن على منهج الله فهو على الباطل حتماً :
أيها الأخوة:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾
[ سورة القصص: 50]
ما بعد الحق إلا الضلال:
﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾
[سورة الجاثية: 6]
إن لم تكن على منهج الله فأنت في الباطل حتماً:
((...يا عبادي، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم... ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
اطلبوا الهدى من الله لا تطلبوا الهدى من أهل الغرب، ولا من علماء الغرب، ولا من علماء النفس، اطلبوا الهدى من الله، من الذي خلقنا، من الذي يربينا، من الذي أنزل القرآن الكريم:
(( ... يا عبادي، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ، فاستطعِموني أُطْعِمْكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾
[ سورة قريش:4]
الأمطار أحد أسباب الرزق، فحينما تهطل الأمطار ترتج الأرض وتنبت النبات الطيب، إذاً:
(( ... يا عبادي، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ، فاستطعِموني أُطْعِمْكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
تقنين الله تقنين تأديب لا تقنين عجز :
يقول الله عز وجل:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾
[سورة طه:132]
معنى ذلك أنك إذا أديت العبادات الله عز وجل يوفر لك رزقك، ورزق أهلك في البيت:
(( ... يا عبادي، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ، فاستطعِموني أُطْعِمْكم ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
اطلب الرزق من الله:
((ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس))
[ورد في الأثر ]
الدعاء الذي أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم ارزقني طيباً واستعملني صالحاً":
(( ... يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أَكْسِكم... ))
(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ ... ))
[ مسلم عن أبي ذر]
يجب أن نعلم علم اليقين أن تقنين الله لا يمكن إلا أن يكون تقنين تأديب لا تقنين عجز:
﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾
[ سورة الحجر: 21]
ذكرت لكم مرة أن اكتشف في الفضاء الخارجي سحابة يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم بالمياه العذبة، فإذا قنن الله الأمطار تأديباً:
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة الأعراف 96 ]
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
[ سورة الجن: 16-17 ]
الرزق من الله عز وجل :
إذاً الرزق من الله عز وجل:
(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله عباد الله وأجملوا في الطلب - وهناك زيادة ببعض الروايات - واستجملوا مهنكم...))
[حديث صحيح بشواهده، ابن ماجه وأبو نعيم في الحلية والحاكم وابن حبان عن جابر]
إياك أن تبحث عن مورد رزق مشبوه لأن الله تكفل لك برزقك، كنت أضرب على ذلك مثلاً: أن بستاناً فيه شجرة تفاح على الغصن الثالث تفاحة، هذه لك لن يأكلها غيرك، ولكن طريقة وصولها إليك باختيارك، لا سمح الله ولا قدر قد يأخذها إنسان سرقة، وقد يأخذها تسولاً، وقد يأخذها ضيافة، وقد يأخذها هديةً، وقد يشتريها بماله، طريقة وصول الطعام إليك باختيارك، أما حينما خلق لك هذا الفم فلا بد من أن يرزقك لقوله تعالى:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾
[سورة الروم: 40]
الله عز وجل لا ينزل مصيبة من دون سبب :
إذاً:
(( يا عبادي لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ))
[ مسلم عن أبي ذر]
إبرة غمستها في مياه البحر المتوسط ثم رفعتها كم حملت من الماء وكم نقص من ماء البحر؟
((.... ذلك لأن عطائي كلام، وأخذي كلام - موطن الشاهد بآخر فقرة وهي أخطر فقرة في الحديث - فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ مسلم عن أبي ذر]
لا تلم القدر، لا تقل: لا حظ لي، لا تقل: أنا لست مرزوقاً، الله لا يحبني:
((.... فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ مسلم عن أبي ذر]
ابحث عن الخلل في إيمانك، في كسب مالك، في إنفاق مالك، في علاقاتك الاجتماعية، ابحث عن سبب قلة الرزق، الله عز وجل لا يمكن أن ينزل مصيبة من دون سبب:
﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾
[ سورة الشورى: 30 ]
من حاسب نفسه أثنى الله عليه :
إذاً:
((.... فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ مسلم عن أبي ذر]
فأنت حينما ترد الكرة عن ملعبك، أنت حينما تأتي الأمور على خلاف ما تريد وتحاسب نفسك حساباً دقيقاً، لعلي أخطأت في كسب المال، لعلي حلفت يميناً ليست كما ينبغي أن تكون، لعلي قصرت في أداء حق، فهذا الذي يقول لعلي ولعلي أثنى الله عليه، قال تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ*وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
[ سورة القيامة: 1-2]
فهذا الحديث أيها الأخوة:
(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))
[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
والحمد لله رب العالمين
شرح الحديث الشريف - أحاديث قدسية - الدرس (28-31) : يخرج في آخر الزمان رجل
بواسطة:
Unknown
لا بوجد تعليقات 7:17 ص
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.إخبار النبي عما سيكون في آخر الزمان من إعلام الله له :أيها الأخوة، انطلاقاً من الآية الكريمة:﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾[ سورة النمل : 65]والنبي عليه الصلاة والسلام على عظم قدره، وعلى أنه سيد الخلق وحبيب الحق، لا يعلم الغيب، فإذا أخبرك عما سيكون في آخر الزمان فهذا من إعلام الله له، لا يعلمه بذاته.الحقيقة أينما جلست تجد الناس يعجبون من نماذج بشرية بعيدة أن تكون من بني البشر، من هذا المنطلق أخرج الإمام الترمذي في باب الفتن:((سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا ))[الترمذي عن أبي هريرة]يختلون أي يأخذون، يأخذون الدنيا باسم الدين، يتاجرون به، ويحققون مصالحهم بالدين، لأن الدين يغدو الورقة الرابحة بآخر الزمان بأيدي الناس، لأن كل النظم الوضعية سقطت، ولم تحقق للإنسان أهدافه إطلاقاً، لا الأنظمة الشرقية التي تقدس المجموع، ولا الأنظمة الغربية التي تقدس الفرد، ولا الأنظمة التي انقطعت عن وحي السماء إطلاقاً، ولا الأنظمة التي شوهت وحي السماء، كل نظام وضعي أصبح في الوحل لأنه لم يحقق للإنسان سعادة لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولم يبق إلا الدين في الساحة، وهذه الهجمة الشرسة التي ترونها وتسمعون عنها بالقارات الخمس على هذا الدين العظيم، لأنه أمل البشر جميعاً، هو الأمل الذي يقف في وجه أهل الكفر والطغيان، فلذلك يمكن أن يأتي المنافقون ويستغلوا الدين ويلعبوا بأوراقه، وينهبون الدنيا باسم الدين.((... يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ ... ))[الترمذي عن أبي هريرة]نعومة ما بعدها نعومة، كلام أحلى من العسل، فإذا رأيت أفعالهم فهي أشد من الصبر، هذا الموقف المتناقض!الإنسان في آخر الزمان يرى الدنيا ولا يرى الآخرة ويرى الحاجات ولا يرى المثل :ألم يقل عليه الصلاة والسلام ويحدثنا عن أشراط الساعة، يحدثنا عن الأعور الدجال، وبصرف النظر عن أن لهذا الشرط شخص معين، وقد يكون الأعور الدجال شخص معين يأتي في آخر الزمان، لكن هذا لا يمنع أن نفهم أن الأعور الدجال نموذج متكرر في آخر الزمان! هذا النموذج الذي يرى الدنيا ولا يرى الآخرة، يرى المادة ولا يرى الروح، يرى المال ولا يرى القيم، يرى الحاجات ولا يرى المثل، إنسان مادي شبيه بالبهيمة:﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾[ سورة الفرقان : 44 ]شبيه بالحمر المستنفرة التي:﴿ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾[ سورة المدثر: 51 ]شبيه بالذي حُمّل التوراة ثم لم يحمله:﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾[ سورة الجمعة: 5]شبيه بالكلب إن تحمل عليه يلهث، وإن تتركه يلهث، هذا النموذج الذي ترونه كل يوم:((...يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ ... ))[الترمذي عن أبي هريرة]لا ترتاح لهم، يبتسمون في وجهك، يصافحونك بحرارة، ويعبرون عن أشواقهم إليك، لكنك لا ترتاح لهم، تخاف منهم، مع دماثتهم ولطفهم ونعومتهم، ترون أنتم كيف أن الطغاة في العالم يبيدون شعوباً بأكملها، فإذا رأوا طفلاً في احتفال حملوه وقبلوه.أحد زعماء العالم الغربي أباد شعوباً بأكملها، صُوّر وهو يمشي في الطريق فإذا بكلب صغير يحمله ويقبله، ما أرق قلبه! يُقبّل كلباً ويذبح أمة، هذا النموذج المتناقض، شخصية عجيبة! تلبس للناس ما يرضيهم، يقام في رمضان مآدب إفطار في عاد الثانية تكريماً للمسلمين، والمسلمون يذبحون في كل مكان بتخطيط من عاد الثانية، ومن وحيد القرن.الإنسان مخير ولكن حينما يأتي العقاب يصبح في قبضة الله :أيها الأخوة:((...يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبِي يَغْتَرُّونَ ... ))[الترمذي عن أبي هريرة]هل غرهم حلمي وتأخير عقوبتي؟أيها الأخوة الكرام، لأنك مخير يمكن أن تفعل السيئات إلى أمد طويل، ولا ترى شيئاً، النبض ثمانون، الضغط ثمانية اثنا عشر، التحليلات كلها طبيعية، قوي، ذكي، الله عز وجل من سياسته أنه يرخي الحبل، لو شده لما كنت مخيراً، لأنك مخير لا بد من أن تأخذ أبعادك كلها، فقد تطيعه أمداً طويلاً وأنت لا ترى شيئاً، ضعيف مستضعف، وقد تعصيه أمداً طويلاً ولا ترى شيئاً، وأنت قوي معزز مكرم، ولكن حينما يأتي العقاب ودفع الثمن في ثانية واحدة تصبح في قبضة الله:﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾[ سورة الغاشية: 25-26]اعملوا ما شئتم:((... وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ فَبِي حَلَفْتُ ... ))[الترمذي عن أبي هريرة]حلف بذاته:((...لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا ))[الترمذي عن أبي هريرة]عقابهم في الدنيا قبل الآخرة:((...لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا ))[الترمذي عن أبي هريرة]إنّ الله ذو انتقام شديد :وهذا الذي تشاهدونه في العالم الغربي قلق ما بعده قلق، قناص واحد استطاع أن يعطل المدارس في أكبر ولاية في أمريكا عشرين يوماً، ولأول مرة تستعين قوى الأمن بالبنتاغون لحل هذه المشكلة:((...فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا ))[الترمذي عن أبي هريرة]إن الله ذو انتقام شديد:﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾[ سورة البروج: 12]هذا الذي يستخف بوعيد الله، لا يعبأ بأن الله يعلم، وبأن الله سيحاسب ويعاقب لا يعبأ، تأتيه المصيبة، سمعت عن بلد إسلامي تفلت تفلتاً لا يوصف من منهج الله، غرق في المعاصي والآثام، فساق الله له زلزالاً حدثني أحد الأخوة هناك أنه في صلاة الظهر لا تجد في حرم المساجد مكاناً لمصلٍّ، صلى الناس في صحون المساجد! من إقبال الناس على الدين عقب الزلزال، دمر حوالي عشرة آلاف منزل بثوان معدودة! فالله عز وجل في أية لحظة يكون الكافر في قبضة الله هو وتبجحاته، واستعلاءاته، وغطرسته، وتحديه، ورعونته.من علامات المؤمن أنك ترتاح له بينما المنافق لا تأمن بوائقه :أعيد الحديث مرة ثانية:((سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا ))[الترمذي عن أبي هريرة]حديث آخر:((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ فَبِي حَلَفْتُ لَأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا فَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ ))[الترمذي عن ابن عمر]مرة دخلت إلى احتفال، وأنا مضطر لمغادرته بعد ربع ساعة، فاستأذنت من عريف الحفل فقال: الاحتفال يبدأ بقدومك وينتهي بخروجك، أنت الأصل، والله كلام أحلى من العسل، هناك شخص عنده قدرة بأن يسلب قلبك بلطفه لكنك لا ترتاح له، تخاف منه، وتجد إنساناً آخر مجاملاته ضعيفة جداً، لكنك مطمئن له، فالمؤمن قد لا يحسن هذا النفاق العالي جداً لكنك ترتاح له، قيده الشرع لن يغدر بك، ولن يطعنك، ولن يمكر بك، فمن علامات المؤمن أنك ترتاح له، والنبي عليه الصلاة والسلام وصف المنافق بأن جاره لا يأمن بوائقه.أخ من أخواننا له بيت أرضي ووجيبة داخلية، أراد أن يزوج ابنه أنشأ حماماً صغيراً في وجيبته الداخلية والبيت أرضي، ولا يمكن أن يؤذي أحداً، لا يحجب شمساً ولا يعيق رؤية، ومع ذلك جاء من يهد له من الجيران! ماذا فعل؟ لو حجب الشمس أو الرؤية كلام منطقي، لكن لم يفعل شيئاً، في بيته ولتزويج ابنه! فلذلك الناس متقاطعون، أن تعيش بين أناس منافقين دائماً أنت قلق، لأن كل واحد لغم لا تعلم متى ينفجر، أما المؤمن الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن.سيدنا عمر قال لرجل منافق: والله إني لا أحبك! فأجابه: أو يمنعك بغضك لي أن تعطيني حقي؟ قال: لا والله، لا أستطيع قال: إنما يأسف على الحب النساء، منافق !المؤمن مقيد بالشرع :أيها الأخوة، سيدنا عمر كان في أطراف المدينة ومعه عبد الرحمن بن عوف رأوا قافلة فقال لعبد الرحمن بن عوف: تعال نحرس هذه القافلة لوجه الله، يبدو أن طفلاً بكى فقام عمر إلى أمه وقال: أرضعيه، أرضعته ثم بكى ثلاث مرات، إذاً في الأمر ريبة! معنى ذلك أنها لا ترضعه، فغضب و قال: لمَ لا ترضعيه؟ قالت له: وما شأنك بنا؟ إنني أفطمه، قال: ولمَ؟ قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، التعويض العائلي لا يستحق عن الطفل إلا بعد الفطام، فضرب عمر جبهته وقال: ويلك يا بن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين، وصلى صلاة الفجر فلم يستطع الصحابة أن يتفهموا قراءته من شدة بكائه كان يقول: ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها؟المؤمن مقيد بألف قيد، يخاف أن يأكل حق إنسان، يخاف أن يظلم إنساناً، يخاف ألا يعطي إنساناً حقه، أما الكافر فذنبه كالذبابة، أما المؤمن فذنبه كأنه جبل يخاف أن يقع عليه، إن الله تعالى قال:((...خَلْقًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ فَبِي حَلَفْتُ لَأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا فَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ ))[الترمذي عن ابن عمر]من كان في طاعة الله فهو في مظلته وحفظه ورعايته :أخطر شيء أن ترى أن الله يمدك بما تشتهي وتريد وأنت تعصيه، عندئذ فاحذره.﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾[ سورة البروج: 12]ويؤتى الحذر من مأمنه، ويمكن أن تنقلب الدنيا رأساً على عقب بثانية واحدة، اللهم إنا نعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، بثانية واحدة شاب مستهتر بكل قيم الدين أتيح له أن يكون في الخليج، اشترى مركبة وفي أول رحلة من دبي إلى أبو ظبي وقع بحادث قطع عاموده الفقري، فهو الآن مشلول في السادسة والعشرين من عمره !﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾[ سورة البروج: 12]لكنك إذا كنت في طاعة الله أنت في مظلة وحفظ ورعاية الله.﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾[ سورة الطور: 48]هذه الآية لرسول الله، ولكل مؤمن منها نصيب، يشعر المؤمن أنه بعين الله، وبحفظه، ورعايته، وتوفيقه، وأن الله لن يضيعه، ولن يخذله، ولن يسلمه، ولن ينساه.الحديث التالي يطمئن المؤمن و يعيد له التوازن :أيها الأخوة، نحن في آخر الزمان، وهذه الأحاديث تعيد لنا التوازن، في آخر الزمان إن رأيت إنساناً مستقيماً محسناً يختل توازنك! أنت ألفت أن الناس أعداء، ويريدون أن يبتزوا مالك، ويصعدوا على أكتافك، ويأخذوا ما عندك، ويضعوك في التعتيم وهم في الإضاءة، فالمؤمن يطمئنه هذا الحديث، أن هذا الذي يجده في آخر الزمان شيء طبيعي جداً، هكذا الناس في آخر الزمان، لذلك:((عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا فَقَالَ.... عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ ))[الترمذي عن ابن عمر]لذلك:﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ﴾[ سورة الكهف: 16]كهفكم بيوتكم ومسجدكم.﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾[ سورة الكهف: 16]لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، إذا كنت محاطاً بمؤمنين ليسوا معصومين، هؤلاء ليسوا أنبياء بل مؤمنين، أخطأ معي تأخر ربع ساعة، ليسوا معصومين لا يطعنونك في الظهر، لكنهم لا يغدرون بك، ولا يبتزون أموالك، ولا يسلمونك لعدوك، ولا يوشون بك إلى من لا تحب، هناك منطقة أمان كبيرة جداً في علاقتك بالمؤمنين، ومن أجمل ما في الدنيا أخ في الله، تحبه ويحبك، تنصحه وينصحك، تأخذ بيده إلى الله ويأخذ بيدك، تتفقده ويتفقدك، تقف معه ويقف معك، ولا يتأثر بعلوك في الأرض أو بوقوعك في حفرة، هو معك دائماً، ليس معك مادمت قوياً، رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عندهم ذهبُ، رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مالُ، رأيت الناس انفضوا إلى من عنده فضة، يقبلون على الغني والقوي ليأخذون منه، فإذا زويت الدنيا عنه تفرقوا عنه. والحمد لله رب العالمين
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)